في مرجل السياسة التونسية..معركة النائب المتهور ورئيس الجمهورية بقلم المعز الحاج منصور

112

في مرجل السياسة التونسية..معركة النائب المتهور ورئيس الجمهورية
ما هي سياقات الحروب السياسية والاعلامية في تصريحات راشد الخياري؟
كيف نفهم توظيف القضاء العسكري للفصل في نزاع مدني وسياسي.. ؟
كنت أنا من بين الذين ساندوا قيس سعيد في الترشح للانتخابات.. وما زلت أعتبره طرفا سياسيا معدلا للتوازنات بين المتدافعين في السلطة..

وكنت من بين الأوائل في التنديد بتصريحات النائب راشد الخياري.. النائب المستقيل عن ائتلاف الكرامة..
لم تكن تصريحاته إلا حماقة سياسية، قد دفع هو اليها دفعا في تهور وغباء وغلظة..
ولو افترضنا ان الخياري قد تحصل فعلا على وثائق صحيحة لتحويلات مالية اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية ، فان أسلوبه في كشفها واعلانها وتوظيفها قد حول الرئيس الى ضحية.. لقد اتهمه بالعمالة والخيانة والتخابر..وأشبعه ثلبا وذما وقدحا..
ترافق ذلك مع حملة شعواء في فضاء الفيس بوك قادتها صفحات موالية لحركة النهضة…
كان هدف الحملة تحطيم صورة الرئيس قيس سعيد لدى الرأي العام وذلك بعد زيارته لمصر وتصريحاته بخصوص توسعة صلاحياته لتشمل وزارة الداخلية..
لم تكن الحملة الاعلامية إلا حربا نفسية وضغطا على قيس سعيد لتليين موقفه السياسي.. ولم تكن كذلك الا محاولة لتوجيه الراي العام في المستوى الظاهر، وتنبيهه من مخاطر خرق الدستور او الانفراد بالسلطة.. لكنه في المستوى العميق كان صراعا للسيطرة على مراكز القرار في السلطة..

ثم جاءت فرقعة راشد الخياري.. فرقعة اعلامية قبيحة سياسيا، ذميمة اخلاقيا…
فان كان ما فعله الخياري بوازع ذاتي فرداني.. فانه كان فعلا غبيا في السياسة..
وان كان ما أتاه الخياري بوازع وتحضير جماعي بتحريض من الجهاز الفيس بوكي لحركة النهضة.. فها هنا آيين آخر…

لكننا ونحن نندد بتصريحات النائب في البرلمان… فان جريمته لا تعدو ان تكون مجرد قول او ملفوظ يندرج ضمن سياق التعبير عن الرأي حتى وان كان رأيا زائفا مخادعا ومخاتلا.
لم يرتكب الخياري جريمة ارهابية ولم يتاجر في المخدرات ولم يقتل نفسا بغير نفس، ولم يسرق مالا عاما…
فما جريمته الا جريمة قول ولسان لا تتعدى جرائم الثلب والاضرار بسمعة شخصية سياسية تمارس الحكم…

وها هنا لنا قول ورأي…
طبعا، انقلب السحر على الساحر.. وفشلت الحملة الاعلامية ضد قيس سعيد تلك التي شنها الذراع الاعلامي لحركة النهضة.. وذلك بسبب حماقة راشد الخياري ومن شجعه على اتيان ذلك الصنيع الأرعن..
وها هنا.. قفزت كل المعارضة المناوئة لحركة النهضة واصطفت في مساندة سياسية واخلاقية لـ قيس سعيد.. مما أدى الى عزل حركة النهضة وحشرها في الزاوية…
انها هزيمة في السياسات الاعلامية..

وبقدر ما تعالت منزلة رئيس الجمهورية اخلاقيا وسياسيا مستفيدا من تعاطف شعبي ونخبوي..
بقدر ما تدحرجت منزلة حركة النهضة في دركات السقوط الاخلاقي والسياسي…
وتلك هي ضريبة فقدان الكفاءة في من يشرف على قيادة ذراع الفيس بوك في مقر النهضة بمونبليزير..

لكن الاخطر من ذلك هو اخراج المارد من قمقمه.. القضاء العسكري.. ؟؟؟

لقد تنادت الاصوات لمحاكمة راشد الخياري محاكمة عسكرية طبقا لفصول مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية… وتعهدت النيابة العسكرية سريعا بالملف السياسي..
لكن، وفي زحمة الانفعال النفسي وارتفاع منسوب الحقد والكراهية ما بين النهضة وبين خصومها… اندفع الرأي المتعصب الذي لا يفكر في ترسيخ قواعد والعدل والانصاف وانما هو رأي متعصب متطرف يدعو الى الانتقام والثأر… ممن مس من ذمة الرئيس..
لم يكن القضاء العسكري إلا قضاء استثنائيا… خاضعا مباشرة لسلطة وزير الدفاع الذي هو بدوره خاضع لسلطة رئيس الجمهورية..

وبالتالي فان احالة راشد الخياري الى النيابة العسكرية سيحوله الى ضحية لقمع سياسي..
فالرئيس هو الخصم وهو الحكم في آن.. وهو ما يخرق مبدأ ضمان المحاكمة العادلة…

فإذا ما تم توظيف القضاء العسكري للفصل في نزاع بين رئيس الجمهورية وبين نائب برلماني منتخب ومعارض للرئيس.. فان ذلك الفعل سيكون تدشينا لسابقة في فقه القضاء وهو جواز اختصاص المحكمة العسكرية بالنظر في النزاعات ذات الطابع السياسي.. وهو ما سيهدد مستقبلا باحالة كل معارض او مخالف سياسي الى انظار القضاء الاستثنائي..
وتلك خطيئة حركة النهضة وخطيئة راشد الغنوشي ايضا..

لقد ارتكبت حركة النهضة خطأ سياسيا قاتلا حينما تراخت وأجلت تشكيل محكمة دستورية…
لكنها ارتكبت خطأ آخر وهو مصادقة نوابها في البرلمان على استمرار قضاء استثنائي هو المحكمة العسكرية..
اي قضاء برأسين، قضاء مدني وقضاء عسكري..
ونسيت حركة النهضة انها اكتوت تاريخيا بظلم هذا القضاء الاستثنائي.. فقد تمت محاكمة كل قياداتها السياسية عام 1991 لدى المحكمة العسكرية… واصدرت تلك المحكمة احكاما قاسية في حق قيادات النهضة..

كانت فصول مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية فصولا موروثة من الحقبة الاستعمارية تتعارض مع مبادئ حقوق الانسان ومبادئ الحكم الديمقراطي.. وقد ترجمت تلك النصوص القانونية في أغلبها ترجمة حرفية عن نصوص المجلة العسكرية الفرنسية…
وبعد الثورة… احيل عدد من نشطاء السياسة كمثل حليم المسعودي وياسين العياري الى القضاء العسكري من اجل تهم تتعلق بابداء الراي…

الاخطر من كل ذلك ان الباجي قايد السبسي قد وظف القضاء العسكري لتصفية احدى وسائل الاعلام وهي جريدة الثورة نيوز ..
فقد أحال مديرها محمد الحاج منصور الى المحاكمة العسكرية والتي اصدرت حكما جائرا بسجنه 6 أشهر… من اجل مقالات..
يومها صفقت حركة النهضة.. وباركت الحكم… لان السجين كان مخالفا لها في الرأي..
انتظمت تلك المحاكمة أواخر سنة 2016 زمن توافق الشيخين… وحضرت انا شخصيا جميع اطوارها باعتبار ان المتهم هو شقيقي الاكبر..
كنت شاهدا على تلك الخروقات.. محاكمة عسكرية لصحيفة وصاحب جريدة من اجل مقالات كشف فيها فسادا في صفقات التسلح تورط فيها الباجي وعائلته وقيادي من حركة النهضة..
تمت المحاكمة في الفترة التي تولى فيها استاذ القانون فرحات الحرشاني الاشراف على وزارة الدفاع… وقد صدرت تعليمات الى القضاء العسكري بايقاف الصحفي مدير الثورة نيوز.. ومحاكمته…طبقا لفصول مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.. تحت مسمى المس من سمعة القائد الاعلى للقوات المسلحة وهو الرئيس الباجي قايد السبسي..
الخطير ان محكمة التعقيب قد أيدت شرعية ذلك الحكم بتعليمات من الباجي… وأرست فقها قضائيا غريبا. في قرار يتعارض مع روح الدستور التونسي..
واعتبر القرار التعقيبي ان احكام مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية هو قانون خاص يلغي فاعلية مرسوم الصحافة في الفصلين 115 و116 والذي اعتبرته قانونا عاما… هكذا عللت محكمة التعقيب قرارها في مصادرة مرسوم الصحافة..
الاغرب من ذلك ان الجميع سكت عن هذا الخرق الفاضح الذي ارتكبته محكمة التعقيب بتعليمات سياسية..

اليوم.. يعود بعض السياسيين الى التصفيق فرحا باحالة شخص مدني على انظار المحكمة العسكرية.. انهم يصفقون من اجل تصفية خصم سياسي ارتكب خطيئة وجرما.. اي تصفيته لدى القضاء العسكري الاستثنائي..

نقول هذا القول… تنبيها وتحذيرا من تداعيات توظيف القضاء العسكري في خصومات السياسة.. لانه سيكون فاتحة لمحاكمات اخرى لكل معارض او مخالف…
رغم انني اندد بما أتاه راشد الخياري… من تشويه وقذف وثلب.. وقلة أدب..

انها صفحة من صفحات المعارك الاعلامية بين أمراء الطوائف في المشهد السياسي التونسي… معركة تصب الزيت على النار…

سيدفع ذلك اطرافا سياسية الى الاصطفاف خلف جبة رئيس الجمهورية.. معلنة تحالفا استراتيجيا ضد حركة النهضة..
وفي الضفة الاخرى سوف يزداد خوف راشد الغنوشي من غريمه السياسي قيس سعيد.. وسيبحث عن حلول وتنازلات مرحلية لامتصاص اندفاع الخصم..

في المقابل ، تستمر معاناة شعب جائع ومنهوب.. يسرقه كبار رجال الاعمال بتواطؤ من كبار رجال السياسة..
وينشغل الرعاع بالجريمة النكراء لـ راشد الخياري.. لكنهم عميان لا يرون جرائم السرقات الكبرى والقروض المتفحمة والنهب المنظم للبنوك العمومية..

هذا رأينا…
فمن خالفنا فقد خالفنا.. ومن وافقنا فله ما وافقنا فيه..

المعز الحاج منصور
مرصد الشفافية والحوكمة
شبكة المدونين الاحرار

You might also like More from author